العيني

213

عمدة القاري

قالوا بوجوب العقاب للعاصي وأجيب : بالمنع لأن معناه : حقهما أن يكونا في النار ، وقد يعفو الله عنه ، وقد مر تحقيقه عن قريب . ومنها ما قيل : لِمَ أدخل الحرص على القتل وهو صغيرة في سلك القتل وهو كبيرة ؟ وأجيب : بأنه أدخلهما في سلك واحد في مجرد كونهما سببا لدخول النار فقط ، وإن تفاوتا صغرا وكبرا وغير ذلك . ومنها ما قيل : إنما سمى الله الطائفتين في الآيتين : مؤمنين ، وسماهما النبي ، عليه السلام ، في الحديث : مسلمين ، حال الالتقاء لا حال القتال وبعده وأجيب : بأن دلالة الآية ظاهرة ، فإن في قوله تعالى : * ( فأصلحوا بين أخويكم ) * ( لقمان : 13 ) سماهما الله أخوين وأمر بالاصلاح بينهما ، ولأنهما عاصيان قبل القتال ، وهو من حين سعيا إليه وقصداه ، وأما الحديث فمحمول على معنى الآية ، والله أعلم . 23 ( ( باب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ ) ) الكلام فيه على وجهين . الأول : وجه المناسبة بين البابين أن المذكور في الباب الأول هو أن الله تعالى سمى البغاة مؤمنين ، ولم ينف عنهم اسم الإيمان مع كونهم عصاة ، وأن المعصية لا تخرج صاحبها عن الإيمان ، ولا شك أن المعصية ظلم ، والظلم في ذاته مختلف ، والمذكور في هذا الباب الإشارة إلى أنواع الظلم حيث قال : ظلم دون ظلم ، وقال ابن بطال : مقصود الباب أن تمام الإيمان بالعمل ، وأن المعاصي ينقص بها الإيمان ولا تخرج صاحبها إلى كفر ، والناس مختلفون فيه على قدر صغر المعاصي وكبرها . الثاني : قوله : ( باب ) لا يعرب إلاَّ بتقدير مبتدأ قبله ، لأنا قد قلنا غير مرة إن الإعراب لا يكون إلاَّ بعد التركيب ، ولا يضاف إلى ما بعده ، والتقدير في الحقيقة : هذا باب يبين فيه ظلم دون ظلم ، وهذا لفظ أثر رواه أحمد في كتاب الإيمان من حديث عطاء بن أبي رباح وغيره ، أخذه البخاري ووضعه ترجمة ، ثم رتب عليه الحديث المرفوع . ولفظه : دون ، إما بمعنى : غير ، يعني : أنواع الظلم مختلفة متغايرة ؛ وإما بمعنى : الأدنى ، يعني : بعضها أشد في الظلمية وسوء عاقبتها . 32 حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قال حدّثنا شُعْبَةُ ح قال وحدّثني بِشْرٌ قال حدّثنا مُحَمَّدٌ عن شُعْبَةَ عن سُلَيْمَانَ عن إبْراهِيمَ عن عَلْقَمَةَ عن عبدِ اللَّهِ قالَ لَمَّا نَزَلَت الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ) * قال أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ فأنْزَلَ * ( اللَّهُ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) * . . مطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه لما علم أن الظلم على أنواع ، وأن بعض أنواع الظلم كفر وبعضها ليس بكفر ، فيعلم من ذلك ضرورة أن بعضها دون بعض ، وأخرج هذا الحديث من طريقين إحداهما : عن أبي الوليد عن شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله . والأخرى : عن بشر بن خالد عن محمد بن جعفر عن شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله . فإن قلت : الحديث عال في الطريق الأولى لأن رجالها خمسة ، ورجال الثانية ستة ، فلِمَ لم يكتف بالأولى ؟ قلت : إنما أخرجه بالطريق الثانية أيضا لكون محمد بن جعفر أثبت الناس في شعبة ، وأراد بهذا التنبيه عليه . فإن قلت : اللفظ الذي ساقه لِمَنْ من شيخيه ؟ قلت : اللفظ لبشر بن خالد . وكذلك أخرجه النسائي عنه ، وتابعه ابن أبي عدي عن شعبة ، وهو عند البخاري في تفسير الأنعام . وأما لفظ ابن الوليد فساقه البخاري في قصة لقمان بلفظ : ( أينا لم يلبس إيمانه بظلم ) ؟ وزاد فيه أبو نعيم في ( مستخرجه ) من طريق سليمان بن حرب عن شعبة بعد قوله : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * ( لقمان : 13 ) فطابت أنفسنا . بيان رجاله : وهم ثمانية . الأول : أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي الباهلي البصري ، وقد مر ذكره . الثاني : شعبة بن الحجاج ، وقد مر ذكره أيضا . الثالث : بشر ، بكسر الباء وسكون الشين المعجمة ، ابن خالد العسكري أبو محمد الفارض ، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ، وقال : ثقة ، ومحمد بن يحيى بن منده ومحمد بن إسحاق بن خزيمة . توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين . الرابع : محمد بن جعفر الهذلي ، مولاهم ، البصري صاحب الكراديس المعروف بغندر ، وسمع السفيانين وشعبة وجالسه نحوا من عشرين سنة ، وكان شعبة زوج أمه ، روى عنه أحمد وعلي بن المديني وبندار وخلق كثير ، صام خمسين سنة يوما ويوما ، وقال يحيى بن معين : كان من أصح الناس كتابا . وقال أبو حاتم : صدوق ، وهو في شعبة : ثقة ، وغندر لقب له لقبه به ابن جريج لما قدم البصرة ، وحدث عن الحسن ؟ فجعل محمد يكثر التشغيب عليه ، فقال : أسكت يا غندر . وأهل الحجاز يسمون المشغب : غندرا